نحو استعادة روح أيام الزمن الجميل
2014-11-01 | منذ 4 سنة
د. يوسف مكى
د. يوسف مكى

 

في كتاب جديد، صدر هذا العام، لهنري
كسينجر مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون لشؤون الأمن القومي، تحت عنوان النظام العالمي،
قدم الكاتب أطروحة جديدة، أشار فيها إلى أن العالم، لم يشهد تغيرا حقيقيا، في شكل
النظام العالمي، منذ أربعة قرون. وأكد نظريته الرافضة لربط السياسة بالأخلاق
والقيم الإنسانية.

فالناس يضطرون للجوء لعقد المعاهدات
والاتفاقيات، بسبب حدة المشكلات المتفاقمة بينهم، والمستعصية على الحل سلما أو
حربا. دخلت القارة الأوروبية في حروب دامية طويلة، ولم تتمكن أي منها حسم الحرب
لصالحها. وقد أدى الوعي بهذه الحقيقة، إلى تضعضع النظريات القديمة المستندة على حق
الفتح. والتي بموجبها تتمدد الإمبراطوريات أو تنكمش تبعا، لدورتها التاريخية،
وتوازنات القوة، بين الإمبراطوريات المحيطة.

ألجأ وعي الأوروبيين باستحالة، حسم أي
دولة منهم الحرب لصالحها، إلى عقد اتفاقية ويستفاليا، الألمانية. وبموجبها، تعهدت
دول أوروبا بالتوقف عن الحرب. وبرز مفهوم السيادة، والحدود التي جرى التوافق على
احترامها. وأن أي تعد من جانب أي دولة أوروبية على سيادة أخرى، يعتبر عدوانا على
اتفاقية ويستفاليا، التي أمنت السلم للمنتمين للقارة.

ما تحقق بعد الحرب الكونية الأولى، وفقا
لرؤية كيسنجر، لم يكن اختراقا إنسانيا جديدا, ولا يصح أن يطلق عليه بالنظام الدولي
الجديد. فجل ما تحقق فيه، هو قيام عصبة الأمم، التي تأسست بعد الحرب، بتعميم
اتفاقية ويستفاليا، وتمددها من حالة إقليمية، تتعلق بالقارة الأوروبية، إلى عموم
الكوكب الأرضي. لاحقا أكد ميثاق هيئة الأمم المتحدة، التي تأسست بعد الحرب
العالمية الثانية، على ذلك المبادئ، وعلى رأسها، احترام حق الشعوب في تقرير
المصير، والقضاء على الاستعمار، والاعتراف بسيادة الدول، ضمن حدود واضحة، ومتسقة
مع مبادئ القانون الدولي، وعدم جواز التدخل في الشؤون الخاصة بالدول الأخرى. وقد
ضمنت المؤسسات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة، حماية هذه المبادئ.

لكن ذلك لم يكن يعني عدم وجود خروقات لهذه
المبادئ. فوجود مجلس أمن دولي، بأعضاء دائمين، على رأس المؤسسة الدولية، يتمتع كل
منهم بحرية استخدام حق النقض، نصب من الكبار، دولا فوق القانون. وكان من نتائج
ذلك، اغتصاب فلسطين، من قبل الصهاينة، وتأسيس الكيان الغاصب "إسرائيل"،
بتأييد مطلق ممن يملكون استخدام حق النقض. وقد استمرت تلك الدول في مساندة مشروع
العدوان على الأمة، منذ تأسس الكيان الغاصب حتى يومنا هذا.

وفي ظل غياب ميزان العدل، وجدت الأمة
العربية، ظالتها في تدشين جامعة الدول العربية، لتكون معبرا عن إرادتها، وتوقها في
تحقيق التكامل السياسي والاقتصادي والثقافي بينها. فكان أن راكمت تجربة سياسية
أسهمت في تحرير الأراضي العربية، التي بقيت محتلة من قبل الاستعمار التقليدي.
مقدمة مختلف أشكال الدعم السياسي والعسكري، كما هو الحال مع الجزائر وتونس والمغرب
واليمن الجنوبي، حتى تمكنت تلك البلدان بنضالات شعوبها، وتضامن الأشقاء العرب، من
إنجاز استقلالها السياسي.

سقوط الاتحاد السوفييتي، والكتلة
الاشتراكية، في أوائل تسعينات القرن المنصرم، والذي أعقبه تربع الولايات المتحدة
على عرش الهيمنة الدولية، أسقط عمليا اتفاقية ويستفاليا، وبالتالي النظام الدولي
الذي استمر طويلا، في ظل تعدد القطبية على المسرح الدولي. فكان من نتائج ذلك،
احتلال أمريكا لبنما وأفغانستان والعراق، وسيادة فوضى كونية، لم يعهدها المجتمع
الإنساني، منذ العصر الوسيط. ولسوف تستمر الفوضى، إلى أن يعاد الاعتبار للنظام
الدولي، المستند على تعدد القطبية واحترام استقلال وسيادة الدول، وعدم التدخل في
شؤونها الداخلية.

نكتب هذا الحديث، بعد مرور ثلاثة أسابيع،
على ذكرى اندلاع معركة العبور، في 6 أكتوبر عام 1973. في تلك الحرب، عبر الجيش
المصري قناة السويس إلى الشرق، بسرعة أذهلت العالم أجمع، وحطم خط بارليف، معجزة
العسكرية "الإسرائيلية". وبالمثل اقتحم الجيش العربي السوري، مرتفعات
الجولان السورية، وتمكن من تحرير مدينة القنيطرة. وبالتنسيق بين القيادتين
السياسيتين، والعسكريين بالبلدين، تمكنت الأمة العربية، من غسل عار نكسة يونيو
1967، وإنهاء أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يهزم.

لم يكن نصر أكتوبر، وليدة صدفة، بل نتاج
تخطيط، وتدريبات عنيفة وصارمة، وقراءة استراتيجية صائبة. وأكثر من ذلك بكثير، أنه
كان نتاجا للتضامن العربي، ولاستخدام النفط، لأول مرة بشكل واضح وجلي، في خدمة
أهداف الأمة العربية. وقد لعبت المملكة الدور القيادي، في معركة النفط تلك، منسقة
مع قادة الخنادق، حيث الملاحم البطولية، تسطرها الأمة، وتثبت من خلالها جدارتها
بالحياة.

في هذه الفوضى العارمة، التي تعم كل زوايا
الأمة، نحن أحوج ما نكون لاستعادة روح الزمن الجميل، زمن ملحمة الملاحم، معركة
العبور، وعنوانها الأوضح - التضامن العربي. فلقد سهل الهوان العربي، على قوى
الغطرسة، إقليمية ودولية تحقيق اختراقات واسعة في صفوفنا، بما عمق من الشقاق
والفرقة، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتضامن، واستعادة روح اتفاقية
ويستفاليا، التي نصت على احترام استقلال وسيادة الدول، وعدم جواز التدخل في شؤونها
الداخلية.

لن نبدأ من الصفر، فما نحتاجه، هو حشد
ذاكرتنا التاريخية، وبعث الروح لما بيننا من لحمة ومن روابط صنعتها حقائق
الجغرافيا والتاريخ. ليس علينا في هذه المرحلة، سوى نبش سجلات وملفات جامعة الدول
العربية، ونفض ما تراكم عليها من غبار. وعلى رأس هذه الملفات، معاهدة الدفاع
العربي المشترك، واتفاقية الأمن القومي العربي الجماعي، وعشرات البرتوكولات
والمعاهدات والاتفاقيات، التي من شأنها أن تحقق التكامل السياسي والاقتصادي
والثقافي والاجتماعي، بين أبناء الأمة الواحدة، لتقف معا، وتشكل متراسا صلب يحول
دون أطماع وتدخلات الخارج في شؤوننا الخاصة.

ما نحتاجه، في ذكرى نصر أكتوبر، هو عودة
للوعي على كل الصعد، وإرادة الحياة، والقدرة على الفعل. فتكامل الوعي والإرادة
والقدرة هو الضمانة بعدم ارتجاف الأمل.





مقالات أخرى للكاتب

  • «السترات الصفراء».. هبّة أم ثورة جياع؟
  • قرن على نهاية الحرب العالمية الأولى
  • الفيدراليات مشاريع تفتيت

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    26,370,315