بئر أبي ذر الغفاري
2014-10-26 | منذ 4 سنة
د.ماجدة غضبان
د.ماجدة غضبان

 

البئر أظلم عميق..

سمعت صراخهم..

_أتسمعون يا رفاق؟، هنالك من يصرخ..

_عاد لما كان عليه..

_أنت تسمع ما لا نسمع، و ترى ما لا نرى..

_عدت الى جنونك من جديد..

_الدليل اننا خمسة افراد، و لم نسمع شيئا..

حطمت دائرة الأذرع المغلقة، المبطنة بضحكات السخرية و الاستهجان..

_الى أين ذاهب؟

تدلت اصواتهم في الهواء كثمار مجوفة..

_الى البئر حيث يصرخون..

_دعه انه مجنون..

_لن يجد البئر، و سنكون في استقباله بنكات لاذعة..

_سيكون تسليتنا الوحيدة هذا المساء..

غادرتهم مسرعا، و انتهى لغطهم عند الخط الفاصل بين الشمس و حمرة البحر الهاديء حتى ذاب كعدم لم يكن..

الى الأمام، و على بعد بضعة خطوات انفجر بركان الصرخات..

تناثر الزعيق و كلمات الغوث كالحمم من فوهة بئر يقذف ما فيه نحوي بغضب و قوة..

بخار و دخان و عواء بشري مرعب لامس جلدي دون أن أشعر بحرقة أو ألم..

_من هناك؟..

_نحن هنا في الأسفل..

بدا التشابه بين الأصوات التي ودعتني بسخريتها قبل قليل و بين بوق الاستغاثة الجماعي واضحا..

_من انتم؟

_ من سخر قبل لحظات منك..

_كيف سقطتم في البئر، و قد تركتكم خلفي؟..

_لا ندري.. هات لنا بحبل، و اربطه بصخرة لعل احدنا يخرج و يعين من بقي على الخروج أيضا..

_لا أملك حبلا..

_مد لنا يدك..

_البئر ليس عميقا..

_لكنه شديد اللزوجة..

_لا نستطيع التسلق نحو الأعلى..

تدلت ذراعي صوب عتمة شديدة..

_هل ترون يدي؟

_اني ارى سبابتك

_انا لا ارى سوى ابهام..

_لا ليس هناك سوى الخنصر..

_كلا انه بنصر فحسب

_ايها الحمقى هذا اصبع الوسطى و لكنه شديد الضخامة..

شعرت بابهامي يكاد ان يتحطم تحت ضغط يد هائلة الحجم..

_اترك ابهامي و امسك بيدي كلها..

_الظلام شديد لا ارى سوى الابهام..

_انا سأتعلق بالخنصر فهو واضح امامي جدا..

_انا سأمسك الوسطى الضخمة..

_و انا لدي السبابة..

_و هذا البنصر يبدو لي كعمود كبير..

_ايها الاغبياء اتركوا أصابعي.. انكم تسحبونني نحو الظلام، اتركوا أصابعي، ليمسك أحدكم بيدي كلها، لا يمكن ان اخرجكم جميعا..

كادت أصابعي ان تغادر أماكنها، و الايادي تطبق عليها و باصرار شديد..

أصبح نصف جسدي في عتمة الهوة..

رفست الارض بساقي و انا اقاوم السقوط..

_اتركوا يدي..

تمادت صرختي برفرة نحيلة مغتالة سكون خمد بين أرض و سماء.. الا انها كانت متأنية بموازاة سرعة التهام الهوة لي..

أحاط بي الظلام و اللزوجة معا..

سمعت قهقهة أحدهم في الأعلى حيث لم يعد بامكاني ان ارى أي شيء..

_انظر الى هذا الغبي، قد رمى نفسه في بئر عميق لا قرار له..

_قد صدق حقا ان هنالك أناسا في البئر..

_صدق الاصوات التي ضجت في رأسه..

_هذا الجنون بعينه..

_اتركوه في البئر، انه يستحق البقاء هناك..

ابتعد ضجيجهم.. ساد الصمت بعد رحيل آخر خطوة..

أحاط بي طوق هائل من أشواك الوحدة و اليأس و بدا كأنشوطة مشنقة معدة لقتلي..

لا أظنهم سيسمعون صراخي.. ، فهم لا يسمعون ما أسمع..

و إن سمعوا.. فلا أظن ان لديهم رغبة برؤيتي على وجه الارض مرة اخرى..



مقالات أخرى للكاتب

  • الولايات الانثوية المتحدة
  • خاص بيوم المرأة
  • نيزك مكة - هلام

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    26,316,668