أم الدنيا
2014-09-14 | منذ 4 سنة
سامي شرف
سامي شرف

ان تعبير مصر أم الدنيا لم يأت من فراغ بل يمكن بلا مبالغة أن اقرر أن الخالق سبحانه وتعالى هو الذي قرر ذلك بدليل انها ذكرت في القرآن الكريم خمسة مرات صراحة.. مصر..

وثمانين مرة بطريقة غير مباشرة - دراسة قمت بها شخصيا اثناء سنوات عشرة امضيتها في السجون اثر انقلاب 13 مايو 1971 - ومن هنا فإن ثورة 23 يوليو 1952 التي تبنت الفكر القومي العربي هي ترجمة عملية للدور الذي يجب أن تقوم به مصر باعتبارها أم العرب- هاجر أم سيدنا اسماعيل إبن سيدنا ابراهيم ابو الأنبياء، أم العرب والمسلمين.

كحبات المطر تسقط على أرض عطشى حبلى بالخير والنماء جاء الرجل في شموخ يروي عطش المصريين للحرية والعزة والكرامة، جاء ليصحح مسار التاريخ، ويعيد الحق لأصحابه..

امتطى الفارس جواده.. ناضل وكافح.. نهض بوطنه وأمته من ثبات الموت إلى عنفوان الحياة، اخرجهما من صفحات التاريخ ليصنع بهما مستقبلاً جديداً جديراً بأمجادهما.. اختار لنفسه ولأمته ألا تكون تابعة لهذه القوة أو تلك جعل منها فاعلاً حقيقياً في صناعة تاريخها وتاريخ العالم بأسره بعد أن كانت على هامش التاريخ مجرد مفعول به.

اجتهد الرجل بقدر ما استطاع لتحقيق مشروع النهضة المصري والعربي، ولأنه بشر فقد أصاب وأخطأ.. انتصر ففرحنا به ومعه ونسب النصر لنا، وحين انكسر كان فارساً وأبى إلا أن يتحمل المسئولية وحده.. تمنى لو أزال المرارة من حلوقنا، وحمل عن كاهلنا كل خطايانا وما أكثرها.

أثقلت الأحمال كاهل الفارس، ورغم ذلك صمم حتى اللحظة الأخيرة أن يمهد لنا طريق النصر من جديد، وكم تمنينا لو أكمل معنا ليشاهد ما صنعت يداه، ولكن تلك إرادة الله.. رحل الفارس وترجل عن حصانه، وكما جاء فجأة رحل فجأة وكأنه أراد أن يجنبنا مرارة لحظة الفراق. وأستطيع أن أقول بضمير مرتاح أن قوميتنا العربية لم تهزم ولن تهزم لأنها قومية إنسانية غير عنصرية تعترف بالآخر وتحترم حقه في الحياة وفي التعبير.. والذين هزموا - إذا جاز التعبير- هم بعض دعاة هذه القومية..

لقد حمل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر مشعل القومية العربية صادقا وسار به نحو تحقيق أهداف ستة محددة واضحة اعلنها منذ اليوم الأول وبدأ التطبيق في اقل من شهر سعيا لانصاف مجتمع النصف في المائة وبناء مصر العربية الحديثة القوية المستقلة تحت شعار ظل يطبقه حتى يوم 28 سبتمبر 1970 واعني به الحرية والاشتراكية والوحدة وقبل أن يرحل الرجل كان قد استطاع بحب وثقة الشعب المصري أن يبني دولة مستقلة قوية زراعيا وصناعيا - ألف مصنع منتج وطائرات وصواريخ وحديد وصلب والومنيوم ونووي واعادة بناء القوات المسلحة بأحدث المعدات واساليب التدريب التي خاضت بها مصر حرب اكتوبر المجيدة واقتصاد حقق نسبة نمو حقيقي 76 بالمائة حسب تقرير البنك الدولي الأمريكي في يناير 1976 أي بعد رحيل الرجل بست سنوات..

أما الآخرون فقد عملوا على تحقيق مصالحهم وأغلبها ذاتية ولذا فقد جاهدوا ليضعوا العراقيل أمامه فكانوا وبالا على الأمة العربية وربما أكثر أثرا عليها من الأعداء الخارجيين. هزم عبد الناصر في معركة لإخلاصه ولكنه لم يسقط، وهم تساقطوا لأنانيتهم، أما الأصولية فهزيمتها طبيعية لهزال فكرها ومنشئها وليس لقوة أعدائها.

إننا لن نهزم لو قاد هذه الأمة رجال مخلصون يوفقون بين قوميتنا وبين ديننا. رجال ذوو إرادة حرة قوية، يؤمنون بالحرية والاستقلال لأمتهم من المحيط إلى الخليج. لا يستسلمون لقوى وضغوط أجنبية. لا يفرطون في ذرة من أرض أوطانهم تحت أي مبرر أو أي عذر أو ادعاء بالتزام بمعاهدة أو اتفاق فرض على الشعب في ليلة ظلماء. رجال يحترمون أنفسهم قبل أن يحترموا الأصول والدستور والقوانين والأعراف والأخلاق فيلتزمون ولا يتحايلون ولا يزوّرون من أجل البقاء على كراسي الحكم. رجال لا يغمضون أعينهم عن فساد أو إفساد يزداد انتشارا بشكل وبائي وفي بعض الأحيان بطريقة منظمة أو مستوردة من الخارج ومغلف بالبراءة. رجال لا يخشون في الحق لومة لائم ولا يكذبون على شعوبهم. رجال لا يرتعشون ولا يخافون.

رجال لا يتوهمون ويعبدون أمريكا أو غيرها من طرف واحد ليروجوا بضاعة خاسرة وشراكتها يرددونها ببغاويا وهم في الواقع ليسوا إلا أجراء ووكلاء ثانويين.. وهذه العلاقة التي هي من طرف واحد لا تقوم على الاحترام المتبادل وهي في نفس الوقت ليست واجبة أو مطلوبة في الوقت الراهن الذي تتبع فيه أمريكا سياسات معادية تماما للمصالح العربية منحازة بشكل أعمى للصهيونية وكيانها العنصري ثم بممارسة سياسة استعمارية وتحتل أجزاء عزيزة من الوطن العربي واعني بها فلسطين التي هي قضية مصرية قبل ان تكون عربية فأمن مصر القومي يمتد من النيل حتى جبال طوروس، وتندد علنا باتخاذ نفس السياسة مع بلدان عربية أخرى بالرغم من مئات المليارات من الدولارات التي تودعها هذه البلاد كحكومات وأفراد في دورة الاقتصاد الأمريكي، ورغم كل المساعدات والتسهيلات العسكرية التي قدمتها هذه الدول العربية طواعية لواشنطن، ورغم البترول العربي المقدم لهم بأسعار زهيدة.. كل هذا لم يكف لشراء صداقة أمريكا التي لا تتردد في الإعلان عن حقها في فرض ما تراه على أمتنا متجاهلة عن عمد تردي الأوضاع في هذا الجزء من العالم لأنها هي وتوابعها من الدول الاستعمارية التي خلقت وأنشأت كيانا عنصريا زرع في قلب الأمة العربية.

لا يفوتني هنا أن أٌنوه بأنه ليس بإمكان أمريكا أن تنشيء إمبراطورية كما قال أحد المفكرين الأمريكيين، رغم أنها تمتلك الجيش الأول في العالم، لكن اقتصادها ضعيف، والاقتصاد الضعيف لا يمكن أن يصنع إمبراطورية.. رجال يسقطون نهج كامب دافيد والمشاريع الشرق أوسطية القديمة والجديدة التي استخدمت جماعات تحت ستار الدين، الدموية منها وغير الدموية، الذي أهدر قدرات 22 دولة عربية متكاملة تمتلك كل المقومات السياسية والاقتصادية ومن قبلها العقول البشرية، وتحتل أهم موقع جغرافي في العالم وتمتلك أهم ثروة- البترول- ذات تراث حضاري لا تملكه أمة أخرى ورغم ذلك لا تستطيع أن توحد هدفها وصفّها لتحمي نفسها من الهيمنة الصهيو أمريكية..

رجال يحترمون احلام وامال ورغبات الشارع العربي الفقير والغلبان. وإذا تعارضت مصالحهم مع ما يطالب به الشارع فليرحلوا قبل أن تجتاح الشوارع ثورة الجياع والفقراء وأصحاب المصلحة الحقيقية. لو تمت استفتاءات حقيقية نظيفة وسليمة الآن في كل انحاء العالم العربي فسيختار الناس أصلح العناصر لحكمهم ولن تزيد نسبة الخطأ - من وجهة نظري على 15 بالمائة أو  20 بالمائة وهذه تعتبر بداية معقولة لتفعيل إرادة التغيير ولو كخطوة عملية أولى على الطريق..

رجال يضعون قضية الأمن القومي العربي بمفهومه الحقيقي نصب أعينهم ويعملون على تحقيقه بمؤسسة عسكرية وطنية قوية مهما كانت التضحيات، والتفريط في تحقيق هذا الهدف سيعني ألا نكون.

رجال يؤمنون بحق المجتمع المدني في أن تكون له الكلمة الفصل في مختلف القضايا الحياتية من تداول للسلطة والتمثيل النيابي الحقيقي وحرية الرأي والنشر والأحزاب والتظاهر والأمن وضبط الشارع العربي والفساد وإلغاء القوانين السالبة للحريات.



مقالات أخرى للكاتب

  • نحو مشروع نهضة مصرية
  • غدا..ذكرى ميلاد الزعيم
  • وذكر فإن الذكرى قد تنفع المؤمنين

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,137,169