غزة وثورة يوليو
2014-07-20 | منذ 4 سنة
معن بشور
معن بشور

الاستاذ معن بشور

من الصعب، إذا لم يكن من المستحيل، أن نتذكر ثورة 23 يوليو بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، التي تمر ذكراها الثانية والستون بعد أيام، دون أن نتذكر معها غزة خصوصاً، وفلسطين عموماً، منذ أن بدأت هذه الثورة مجرد فكرة لمعت في خاطر عبد الناصر، وهو المحاصر مع إخوانه في الجيش المصري في الفلوجة في قطاع غزة، إلى أن تحولت حقيقة كبرى في حياة مصر والأمّة والعالم بأسرها.

إن استعادة تلك الصلة المميزة بين ثورة يوليو وغزة تحديداً، تبدو مسألة بالغة الحيوية سواء في الوجدان المصري أو الوجدان الفلسطيني عموماً.خصوصاً في هذه اللحظات التي تخوض فيها المقاومة في غزة وعموم فلسطين واحدة من أشجع وأشرس المواجهات مع العدو الصهيوني منذ بداية الصراع.

فالمصريون يتذكرون أن كمين القوات المظلية الصهيونية للجيش المصري في 28 فبراير/شباط 1955، والذي تمكن فيه الصهاينة من قتل 39 شهيداً وإصابة 33 جريحاً من الجيش، كانت نقطة تحول في تاريخهم المعاصر، كما في تاريخ الأمّة كلها، إذ أطلق سلسلة من الديناميات والتداعيات أدت، كما يعرف الجميع، إلى إطلاق المد القومي العربي الذي توجته وحدة مصر وسوريا عام 1958، والذي انتصر لثورات الاستقلال والتحرر في الجزائر والعديد من أقطار الأمة وامتد أشعاعه ليصل إلى بلدان افريقية وآسيوية وأمريكية عدة.

في عملية "السهم الأسود" أي "هاتز ساخور" التي قادها شارون يومها، وكان دايان رئيساً لهيئة الأركان، وبن غوريون رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع، كان الثلاثي الإرهابي يطمح إلى تحقيق عدة أهداف أدناها تأديب الجيش المصري ومعه قطاع غزة بعد استقبال حاشد لجمال عبد الناصر حين زار الخطوط الأمامية للقوات المسلحة المصرية بمواجهة القوات الإسرائيلية، وأقصاها إسقاط الثورة المصرية أو لي عنقها لكي تصبح أداة طيّعة بيد القوى الاستعمارية الصهيونية وتخضع لمجموعة المشاريع والمخططات والأحلاف التي كانت مزدهرة آنذاك، بدءاً من مشروع الدفاع المشترك عام 1951 إلى مشروع جونستون عام 1953 إلى حلف بغداد عام 1954، وصولاً إلى مشروع دالاس (وزير خارجية أمريكا)، الذي تبلور فيما بعد بمشروع إيزنهاور عام 1957.

يومها ارتكب الصهاينة مجازر بحق أهل غزة وعموم فلسطين، كما بحق جنود الجيش المصري وضباطه، كما ارتكبوا بالأمس مجازر مماثلة في أغسطس/آب 2011 ثم في أغسطس/آب 2012.

ويومها أيضاً ثارت ثورة عبد الناصر وتوجه إلى المعسكر الاشتراكي طالباً تزويده بالسلاح، بعد أن امتنعت دول الغرب عن تزويده به، فجن جنون حكامها من هذا التجرؤ المصري على كسر احتكار السلاح والاتجاه شرقاً، خصوصاً أن مصر كانت تقع حسب التقاسم الدولي بعد الحرب العالمية الثانية (مؤتمر يالطا) في إطار مناطق النفوذ الخاضعة للغرب.

رد "الغربيون" على قرار عبد الناصر التاريخي يومها، (كما على دوره في مساندة الثورة الجزائرية وفي تأسيس حركة عدم الانحياز التي أطلقها مع عدد من قادة العالم من مدينة باندونغ الاندونيسية في العام ذاته (1955)، وعلى محاولته التنموية الداخلية عبر بناء السد العالي، وإرساء أسس (النهضة الصناعية)، فأوعزت واشنطن للبنك الدولي بسحب تمويله لمشروع السد العالي، فجاء الرد من مصر بتأميم قناة السويس في 26 يوليو/ تموز1956، مما دفع باريس ولندن إلى التواطؤ مع تل أبيب على شن عدوان ثلاثي على مصر بدأ أيضاً بهجوم عسكري صهيوني على سيناء من قطاع غزة ثم استكمله غي موليه رئيس الحكومة الفرنسية، وأنتوني إيدن رئيس الحكومة البريطانية بالهجوم على مدن القناة لاسيّما بورسعيد والإسماعيلية، فكانت المواجهة البطولية على ارض مصر، وكان الإنذار السوفياتي الشهير، والمراوغة الأمريكية الخبيثة، فانتصرت مصر وانطلقت قيادتها تستكمل دورها في قيادة حركة التحرر العربية والعالمثالثيّة، وفي الانتصار لسوريا في مواجهة الحشود التركية والمشاريع والأحلاف الاستعمارية وصولاً إلى الجمهورية العربية المتحدة.

هنا كان العدوان على غزة عام 1955 أيضاً محطة هامة في حياة مصر وتطور دورها وبروز قيادتها، بل كان "الحادث المفتاح" حسبما أشار الدكتور علي الدين هلال والأستاذ جميل مطر في كتابهما البالغ الأهمية والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1979 "النظام الإقليمي العربي دراسة في العلاقات السياسية العربية".

ومن المحطات الأخرى التي تربط ثورة 23 تموز بالأوضاع في غزة خصوصاً، وفلسطين عموماً، ما جرى في حرب الاستنزاف التي شنتها مصر على العدو الصهيوني بعد حرب 1967 واحتلال الصهاينة لسيناء وغزة التي كانت تحت الحكم الإداري المصري منذ نكبة 1948.

في حرب الاستنزاف تلك واجه الجيش الإسرائيلي عمليات نوعية قامت بها القوات المسلحة المصرية في البر والبحر والجو مهدت لحرب العبور في العاشر من رمضان (6 اوكتوبر)..

هنا كان للمقاومة الفلسطينية عموماً، وللمقاومة في غزة خصوصاً، سهم هام في تلك الحرب مما دفع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في تموز عام 1968 أن يفتح ذراعيه لحركة (فتح) بعد توتر شاب علاقته بها منذ انطلاق رصاصاتها الأولى في 1/1/1965 على خلفية اتهام بعض وسائل الإعلام المرتبطة بالقاهرة لها بأنها حركة مرتبطة بحلف السنتو (حلف دفاعي غربي، مشابه للناتو اليوم) وان مهمتها توريط مصر في حرب ليست مستعدة لها، وجرى التركيز حينها على علاقة ابرز مؤسسي فتح السابقة بالإخوان المسلمين.

احتضان القيادة المصرية لحركة فتح بعد أشهر على معركة الكرامة الشهيرة ربيع 1968، (حيث أبلى الفدائيون الفلسطينيون وبمساندة فعالة من الجيش العربي الأردني، بلاءً حسناً رفع المعنويات العربية بعد الإحباط الذي رافق حرب (1967) رافقه احتضان مصري للمقاومة في غزة، وكان عمودها الفقري آنذاك "قوات التحرير الشعبية" التابعة لجيش التحرير الفلسطيني – قوات عين جالوت المتمركزة آنذاك في مصر وكانت العمليات ضد الاحتلال كثيفة بمشاركة كل التنظيمات الفلسطينية لاسيّما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ارتبط دورها باسم القائد الشهيد غيفارا غزة حتى قال إعلاميون: الاحتلال يسيطر على غزة نهاراً والمقاومة ليلاً.

كانت العلاقة الوثيقة بين ثورة يوليو وقضية فلسطين عموماً، ومعاناة غزة خصوصاً، وليدة أحساس طاغ في مصر أن أمن مصر القومي مرتبط ارتباطاً وثيقاً ببوابتها الشمالية، وان كل الغزوات إلى مصر، بما فيها الغزوات القديمة والحديثة، إنما كانت تهب عليها من بلاد الشام عموماً، وفلسطين خصوصاً، وغزة تحديداً.

وفي المقابل كان الفلسطينيون بأغلبيتهم الساحقة، وأهل غزة بشكل خاص، يتطلعون إلى مصر ليس بوصفها الشقيق الأكبر لهم، بل الضمانة الأكثر منعة لأمنهم، كما لاستقلالهم وحريتهم، وكان تعلقهم بجمال عبد الناصر استثنائياً، وخصوصاً انه القائل "المقاومة الفلسطينية وجدت لتبقى وستبقى" "وأن ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

تبدو استعادة هذه الصفحات المهمة من تاريخ العلاقة بين قضية فلسطين وثورة 23 يوليو المصرية مسألة بالغة الأهمية لا لأنها صفحات مجيدة من الماضي فحسب، بل أيضاً لأنها إشارات مضيئة لدروب الحاضر والمستقبل.

فغزة لمصر ليست كأي ارض عربية، ومصر لغزة هي بوابة العبور إلى العروبة والإسلام، والى الحرية والعصر. وبغض النظر عن نجاح هذه المبادرة المصرية أو تلك، فان الفلسطينيين جميعاً يدركون أن لا بديل عن دور فاعل لمصر، والمصريون جميعاً يدركون أن ما من قائد في تاريخهم اقترب من فلسطين إلاّ واعتز، وما من قائد تنكر لفلسطين أو ابتعد عنها أو تهرب من الالتزام بقضيتها إلا واهتز وتعثر وانهار.

 



مقالات أخرى للكاتب

  • الحروب في بلادنا وعليها: عشر خلاصات
  • عن جمال عبد الناصر في الذكرى 99 لميلاده *** ناصر... مقاوماًً
  • خاطرة عن اليأس من المستقبل العربي

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    21,327,914