كالعادة كل عام عقد المؤتمر القومي العربي
2014-07-05 | منذ 4 سنة
د. يوسف مكى
د. يوسف مكى

دورته الخامسة والعشرين، هذه المرة في بيروت، التي وصفها البيان الختامي للمؤتمر بعاصمة الثقافة والمقاومة . ولظروف تتعلق بما يجري في الوطن العربي من أحداث متسارعة، تأخر انعقاد دورة المؤتمر عن موعدها المعتاد شهرين كاملين .

المؤتمر القومي العربي، كما هو معروف عنه هو منظمة تضم قوى سياسية، بتوجهات مختلفة: قومية ويسارية وليبرالية وإسلامية . يجمعهم إيمانهم بالمشروع النهضوي العربي بمبادئه الستة . وقد شهد هذا العام أحداثاً سياسية جسيمة، كان من الممكن أن تحدث اختلافات كبيرة من شأنها أن تعصف بوحدة المؤتمر وأن تنهي دوره إلى الأبد .

ففي مصر على سبيل المثال هناك أكثر من وجهة نظر وأكثر من موقف حول ما جرى في الثلاثين من يونيو/ حزيران من العام الماضي بعد وضع خريطة الطريق التي أعقبت إسقاط جماعة الإخوان المسلمين عن السلطة . ليس ذلك فحسب، بل إن هناك اختلافاً حول أيهما يرجح، حمدين صباحي أم الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وأيهما أكثر قدرة على النهوض بمصر، وإخراجها من الأزمات الأقتصادية والأمنية والسياسية الراهنة .

وقبيل انعقاد دورة المؤتمر بعدة أيام، شهد العراق أحداثاً كبرى تمثلت في خروج ثلاث محافظات، هي نينوى وصلاح الدين والأنبار، عن سيطرة المركز في بغداد، لتضيف جرحاً جديداً إلى الجروح النازفة، التي تعانيها أرض السواد، منذ استباحت دبابات الاحتلال عاصمة العباسيين، بغداد وتشييد عملية سياسية في هذا البلد العربي الشقيق، على أساس القسمة بين الطوائف والأقليات .

كانت الخشية أن تتسبب أحداث العراق الأخيرة، في انقسام المؤتمر بين رؤيتين . رؤية ترى فيما جرى ثورة شعبية، ومقدمة لتحرير بلاد ما بين النهرين وخروجها من تحت ركام التاريخ إلى التاريخ وصناعة الغد الزاهر . ورؤية أخرى تختزل كل ما جرى، في أنه توسع لدائرة الإرهاب، وترى هذه الرؤية أن ما جرى في المحافظات الثلاث التي أشرنا لها، هو محاولة لتأمين قاعدة ارتكاز لمختلف منظمات التطرف والإرهاب من داعش والقاعدة وتنظيمات إسلامية أخرى متطرفة لتنقض على عموم المنطقة، ولتنشر الخراب والدمار .

وعلى هذا الأساس، توقع كثيرون أن تكون هذه الدورة هي الأقل حضوراً، من حيث عدد المشاركين فيها . وكانت المفاجأة أن هذه الدورة شهدت حضوراً مكثفاً وكبيراً، وغير مسبوق منذ أكثر من عقد من الزمن . فقد شاركت أكثر من 300 شخصية من المفكرين والمثقفين العرب، كان نصيب الأردن وحدها 39 شخصية، جميعهم من الأعضاء المشاركين، هذا عدا عمن شاركوا في المؤتمر بصفة مراقبين . وقد تجاوز عددهم ال 30%، بمعنى اقتراب تعداد من حضروا إلى ما يقرب من أربعمئة شخصية .

كان المحور الرئيس في هذه الدورة هو مناقشة حق العودة . والهدف هو التصدي للمحاولات المحمومة لتصفية هذا الحق باعتباره مقدمة لازمة لتصفية القضية الفلسطينية برمتها . في هذا السياق أكد المؤتمر على أن عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم هو حق كفلته الشرائع السماوية ومبادئ حقوق الإنسان وشرعة الأمم وميثاق هيئة الأمم المتحدة باعتباره حقاً لا يجوز التفريط فيه . إن أي حديث عن تحرير فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية، يبقى دون معنى حقيقي، طالما لم يتم تمكين أكثر من خمسة ملايين من الفلسطينيين بالشتات من العودة إلى ديارهم .

وفي سياق القضية الفلسطينية أيضاً، رفض المؤتمر تهويد المدينة المقدسة، وتمسك الكيان الغاصب بيهودية كيانه، تمهيداً لطرد بقية الفلسطينيين من ديارهم، باعتبارهم غرباء عن هوية الدولة الغاصبة . كما رفض المؤتمر مشروع تبادل الأراضي، لأن ذلك يمثل شرعنة لتوسع الاستيطان والقبول بالأمر الواقع . وهو خطوة على طريق قتل الذاكرة الفلسطينية وتطبيق مشروع الوطن البديل الذي جرى الحديث عنه والتمهيد له من قبل الصهاينة منذ عدة عقود .

وناقش المؤتمر فكرة صياغة دستور اتحادي عربي تقدم بها مركز دراسات الوحدة العربية . وينتظر أن يعقد المركز ندوة كبرى تشارك فيها نخبة من القانونيين والمفكرين والمختصين بهذا الشأن للخروج بمقترح مسودة الدستور الاتحادي .

وناقش المؤتمر بعمق المشروع النهضوي العربي بمبادئه الستة: الوحدة العربية والتجدد الحضاري، والديمقراطية والاستقلال الوطني والقومي، والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة .

إن ما يجري الآن في العراق هو أحد إفرازات العملية السياسة ومشروع جوزيف بايدن لتقسيم العراق، الذي أقره الكونغرس الأمريكي وصوت عليه باعتباره قراراً غير ملزم . لذا فمن الضروري حل الأزمة الحالية بمعزل عن التدخلات الخارجية والإقليمية، وعدم اللجوء لاستخدام السلاح من قبل الدولة المركزية . إن الحل من وجهة النظر هذه، يكمن في إلغاء العملية السياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية لا تستثني فصيلاً من المكونات السياسية والاجتماعية للشعب العراقي، وإلغاء نهج الإقصاء والاجتثاث والتهميش .

وكان من اللافت للنظر اهتمام هذه الندوة بتجديد اللغة العربية باعتبارها الحاضن والمعبر عن ثقافة الأمة . ذلك أن تجديد اللغة العربية وتكيفها وجعلها متماهية مع الثورات العلمية الكبرى في مجال التقانة والاتصالات خطوة لا مناص منها لمواجهة التغريب ولصيانة وحدة الأمة .

يدرك الجميع خطورة ما يجري في الوطن العربي من محاولات التفتيت ونشر الطائفية البغيضة وتعميم الهويات الجزئية . والتصدي بشجاعة للمقولات التي تفتّ من عضد الأمة، لقد خرج المؤتمر في نهاية دورته ببيان متوازن ومتماسك، أكد التزامه بالثوابت التي انطلق بها منذ دورته الأولى عام 1989 . ونجح المؤتمر بامتياز في صيانة وحدته والتمسك بمبادئه . وسقط حلم الذين راهنوا على سقوطه . ولسوف يبقى علامة مميزة على طريق وحدة الأمة ورفع راية الكفاح عالياً من أجل تحقيق النهضة العربية .

نقلا عن صحيفة الخليج

 

 

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • تساؤلات حول المقاومة والنهضة
  • خمسة وعشرون عاماً على اتفاقية أوسلو
  • تصاعد الهجمة على حق العودة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,380,379