حين تزهر شجرة الياسمين
2014-05-07 | منذ 4 سنة
أمين غانم
أمين غانم

يقول سيغموند فرويد : ان غريزة حفظ الذات هي بالتأكيد من نوع شبقي (إيروسي، غرائز الحب والحياة ) ، ولكنهامع ذلك لابد ان تملك قدرا من العدوانية تحت تصرفها، اذا كان لها ان تحقق غرضها، وهكذا ايضا غريزة الحب، عندما توجه نحو موضوع ما تكون في حاجة الى غريزة السيطرة، اذا كان لها ان تملك، بأي وسيلة، ذلك الموضوع، ( افكار لازمنة الحرب والموت ) .

إنتكاسة الحرب حين تتجمع كل فظائعها وتتسرب  الى روح الإنسان، خيبات بليغة، تعطب آماله،كما يعطب الفطر الثمر،   ويغدو كل الأثر الإنسان ذاته، بقلقه وطريقة نهوضه مجددا،  بوجدان مهزوم،  وفكر مشتت ممزق .                                                 

عندما قرأت ( إمرأة ظل الياسمينة ) لسمية طه،  شرعت بنزع كل عناوين الرسائل، بمحاولة لدمجها كنص سردي مترابط واحد، تسهل معه الرؤية والعيش  ضمن زمنه الداخلي بمتعة النفس الواحد،الإ أن ضيق حركة السرد،  في نصوص الرسايل، وبقاءها مشرعة،مستسلمة لحالة تدوين مباشر لحركة الاحداث خارج النص، وبات النص مجرد نتاج تلقائي كئيب،  يرصد شكلا  للخوف الإنساني من موت يكمل شروطه للتو، حين يمضي حثيثا وبلا هوادة صوب مخلوق اعزل،  وبذلك غدت الكتابة،  رغم انفاسها القصيرة، السلاح الوحيد المتاح لمقاومته، وإستعادة الانفاس من رئتين مهدودتين، لحظة بلحظة،  إنها معركة مستميتة لإستنطاق ( الامل ) في جوفة كثيفة تزفر بالعدم،  وتذوب جحافلا من سواد، ابقت صيغة الكتاب كمجموعة رسايل معنونة،مناسبة،  بصيغ قصيرة الإنفعال، تنشد الحياة وتمني نفسها بإفلات يومي من سطوات افكار سوداء مرعبة،  ماتلبث حتى تحيل ذلك الامل،  كراهية زائدة لحياة مكتضة بالآلام، ومن ثم فتنة بأدوات الموت وتدمير الذات .

ومن هنا تبدو سمية فتاة يمنية مثقفة، تفقد ثلاث روافد اساسية لحب غريزي للذات والحياة على السواء،  الام، والآخر،ووطن على شافة الإنفجار والإنزلاق بحرب اهلية، النجاة منها او حتى مجرد تخيل شكل الايام البائسة   في غداة حرب قذرة، لاتنفك بوادرها تحوم كل مساء .

وباتت اسيرة مآسي ثلاثة في وقت واحد، مجهدة في الحنين المتخبط لمحاكاة مستغيثة بأم مثالية، فارقة الحياة، لن تعود ابدا،  وحبيب ذاو،  مسافر في المجهول، حتى تفيق على احداث وطن ينزف دما، تؤرخ بإقتضاب لتدهوره المفزع،  دون ان تنسى النأي بنفسها من الولوج في اسئلة حائرة،  تشي اجوبتها بدنو اكثر من جحيم محدق .

تقول في رسالتها التاسعة عشرة : صداع يسحق رأسي والمشاعر المضطربة تلتهم راسي، واعجز ان انام .

وفي الرسالة الخامسة عشر تقول : هذا الوطن مريض في غرفة الانعاش .

وفي الثانية عشرة تقول : لست خائفة من الموت لذا استمر في حياتي بشكل طبيعي، ان كان للموت موعد معي سيلحقني الى آخر  الكون .

الخوف من الآتي وسواس لايطاق،  صراع افكار سوداوية، يوشك ان يفتك بإنسان متوتر حساس،  وباتت الكتابة محاولة لجرجرة كل عذاباته الهوجاء، كي تتمدد، وتفيض  الاوجاع،  على ورق لن يتجه لأحد، او ثمة نية مسبقة بنشره ، كما يفيض البحر على قارب صغير،  كتابة لاتتوخى المجد، بقدر خشيتها على ذهن مرهف،  ثباته اقل بكثير من مزامنته لإلحاحات الأرق والذهان .

العزلة والإنطواء كانت قسرية بالنسبة لسمية، بسبب  تردي الاوضاع الامنية والاقتصادية ،سيما  داخل العاصمة،   ولم تصل الى طور الإستسلام المرضي،  كما هي عند رجل القبو لفيودور دوستوفيسكي،  الذي كان مولعا بظلمة القبو، ومن داخله تتكيف إرتياباته المعتلة،  تنضج في ذهنه كهواية الإمتلاء بمرارات الضعة والهوان .

من هنا تأتي قيمة رسائلها الثلاثون، وفق معايير إنسانية صرفة اولا، وإعتبار الكتابة هنا إبتكارا اخيرا للتشبث بالحياة في وسط مثخن باليأس والقنوط، وبلا ريب بان الكتابة هنا لم تعد مطالبة بأكثر غاية خالدة،  غير غاية إنقاذ أمل الكاتب نفسه  ، وحمايته من السقوط  في براثن الخيارات القاسية، التي تفضي به هلاك محقق  ، وهذه الرسايل تشابه الى حد ما حكايات شهرزاد الشهيرة،  من ناحية كسب الوقت وضمان البقاء حتى الغداة،  بإعتباره يوما جديدا،  قد يأتي على ظهر المعجزات . 

ولهذا فإن رسايل سميه طه تغدو شخصية خصبة ومحورية لإي عمل سردي كبير قادم، يؤرخ لإرهاصات إنسان الربيع العربي، بكل  مافيها من إضطراب سايكلوجي ، وآنت اللحظة كي يفيض عن الفرد،  بعيدا عن كل الممانعات، دون أن يعبأ بمحاذير الجموح على ارض رخوة،  ليستحيل فصاما سيسيولوجيا كبيرا، يتنامى،  زحفا مجنونا ،  يقضم كل الثوابت بعدوانية مفرطة، يحيل الممكن مستحيلا، نكاية بإيحاءات مؤنبة، ماتنفك في تعذيب ضمير مسترخ، سادر في تيه  الغوايات المتلاحقة .               

كل ذلك يتضح في تكرار لا شعوري لمفردات ومصطلحات مثل ( ملء الفراغ ) ، فوضى،  وغيرها من الالفاظ المستوحاة من الربيع العربي رغم توظيفها في سياق ذاتي حزين .

اللغة  ،الحرية   ،الخيال ،  والإخلاص الصا دق للإنسان  ، سمات الخلود الابداعي في ذاكرة الإنسانية، ويظل الكاتب في مهمة إتقان خالص لها،لكنه لا يظفر الا بالقليل منها في كل مرة، والغاية السامية ليست كمالا محضا، بقدر ماهي  إدراك محض لنقائص الذات، وإخفاقاته ...

 

 



مقالات أخرى للكاتب

  • في ضرورة المحاولة للانتماء للإنسان مجددا
  • تلك الفتاة الحسناء
  • سرية التمساح

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,444,508