الرحيل الى الشوق
2014-05-06 | منذ 4 سنة
غادة السقاف
غادة السقاف

بحثت عنه طويلاً بين سطور الكلمات التي جف حبرها منذ سنوات   وتبعثرت حروفها فغدت رموزا لبطلٍ اسطوري لا يوجد الا في مخيلة عواطفها بحثت عنه في منعطفا ت ذاكرتها المنهكة وبين صحارى الانتظار التي تعج برمال الشتات ..البديل نت

كانت تدرك  أن البحث عن سراب  في طريق اللانهاية  أصبح فوق احتمالها وغدا حملاً تنوء به جبال صبرها الممزق الذي بعثرته رياح القسوة وسراب الوعود المتناثرة في طيات صفحاته المهترئة التي مزقت  الامل و شتتت الأشجان، برغم كل ذلك السراب الذي تجده حين بحثها عنه  كانت لازالت تتشبث بذلك الحلم الذي يراودها منذ عصرٍبعيدٍ كان فيه هوالفارس الوحيد دون منازع، أنه الحلم الذي يخلق لها عالماً لا يسكنه احداً غيره ..

بفطرتها العاشقة له ومعين حبها الذي لاينضب عقدت العزم أن تتفق  مع قلبها - ولا تسمح لعقلها  بالتدخل- عقدت العزم على الانتظار ولو لدهور ازلية لاتنتهي قررت بينها وبين نفسها واخذت عهداً من طيفه الذي لا تفارقه أنه سيعو د لقد وعدها واقسم بكل نبضة من نبضات قلبها الذي يرتل تسابيح اسمه وبكل قطرة دم امتزج بها حبه لتجري في أوردتها وتخلق  مشاعر كالبركان الثائر الذي لا تنطفئ حممه المتوهجة الا اذا لمحت طيفه..

كان بالنسبة لها رجلاً استثنائياً بامتياز يستحق دهور الانتظار وازمنة الصبر التي شاخت فيه سنوات ربيعها وتكسر  على عتبات ايامها الملل واخذ الضجر عصاه ورحل عنها ولم يتبقى غير أملها الذي صرعت به كل من حاول ان يكسره او يثنيه ، لازالت ترسم ملامحه وتكسوها بكبريائه الذي عشقته وشموخه الذي امدها بالقوة والصبر -هكذا كانت تراه - كانت لاتزال مع احلام يقظتها التي لاتفارقها الا حين نومها .. كان قلبها الغض يتوجه نحو قبلته كل لحظة لينشد رضاه وبركته .كانت قبل ذهابه قد اسقته عصارة قلبها واستودعته نفسها وهي مطمئنة انها قد امتلكت قلبه الى الابد قلبه الذي سيغنيها عن كل متاع الدنيا ....

كانت تخفي في مخيلتها ازمنة العشق التي انقضت وهي على رصيف الانتظار حتى لا تضيع منها كانت تبنى عالمها الاخر المفقود في غياهب القسوة واللامبالاة رسمت الكثير من الصور المتداخلة مابين امنياتها وقسوته وبين املها وتناسيه رسمت  تلك اللوحة السريالية التي بدت اكثر غموضا وعشوائية كانت تترقب ظهور طيفه من بين ثنايا هواجس أرهقت ذاكرتها التي لم تتمكن من اقناعها بالنسيان .فجأة وهي لازالت في عملية بحث معقدة رن هاتفها وكانت موقنة انه هو- بعد دهورمن الانتظار-اسرعت لترد لكن  الزمن   توقف عند تلك اللحظة أحست أنها سوف تنتظر عصورا قاسية اخرى لتسمع صوته لكن الزمن فاجأها وبلمحة برق بمروره بعد أن استغرق ماتبقى من عمرها ، تصل الى الهاتف وتلمح اسمه وتشعر بصوته قبل سماعه ،إنها لحظة البعث بعد حياة برزخية لم تدري كم من قرون استغرقت ،امسكت الهاتف بقوة وكأنها تتشبث بحياة خُلقت في تلك اللحظة فتحت الخط على أمل سماع صدى صوته البعيد الذي طال انتظاره فلم تسمع غير اشارة انقطاع الاتصال تسمرت قدماها ، لاحراك غير نبضات متسارعة كانت  تسابق الزمن لسماع صوته القادم عبر غبار ايامها المنكسرة توقف الزمن مرة اخرى ليستمتع بتعذيبها وإنهاك نفسها ، فجأة رن الهاتف مرة أخرى هذه المرة لن تسمح له ولن تعطه الفرصة ليتوقف لمحت اسمه على شاشة هاتفها فتحت الخط بسرعة ثم توقف الزمن متحديا، كانت تتوسل الزمن ألا يتوقف هنا استعطفته أن يمربسرعة ليصل اليها صوت الحياة  مرت اللحظات سمعت صوته وتراتيل كلماته التي تتوهج عبر الاثير، توقف اللسان عن الكلام لكن كل ذرة في جسدها تناديه بصمت وتصرخ بسكون لتقول لازال صوتك يسكنني  وانفاسك تحتوي نبضاتي وطيفك يحميني كفارس يعتلى جواده ليدافع عني منذ عصور الالياذة الى هذه اللحظة ... 

دون مقدمات وبنبرة لامبالاة قال لها: كنت أود العودة هذا العام لكني لم اتمكن من ذلك يبدو أني سأظل هنا لثلاث سنوات أخرى او ربما اكثر سمعت كلماته تجمدت  فيها كل مظاهر الحياة لم يبقى منها غير ذبول الانكسار وشبح الموت المنتظر لم  يتح لها  فرصةً للكلام أو الاستفسار أو الدفاع عن حبها الذي اهدره بقسوته وأنانيته ،تكلم كثيرا عن آماله وطموحاته التي يجب ان تشاركه فيها تكلم عن كل شيء الا عنها ،ردد كثيراً من الاسماء الا اسمها سرد تفاصيل كثيرة لم تكن تعنيها ولاتعني قلبها  استغرق كلامه وقتا طويلا لم تعد تعي ما يقول شعرت بأن حفلاً جنائزياً يخترق سمعها أغمضت عينيها  لترى توابيت تحمل أحلاما مقتولة ،لازالت ذاكرتها تحمل كلماته في آخر لقاء جمع بينهما قبل عامين من الان حين اعتذر عن أخذها معه لأسباب خارجة عن ارادته كما قال ، كانت مستعدة ان تتنازل وترضى وتشاركه ابسط حياة ، الأهم أن تكون بقربه تذكرت أنها التمست له اعذاراً كثيرة ولم تناقشه في رفضه أو تلح عليه تقديرا لظروفه الخارجة عن ارادته التي لم يذكرها  والتي كانت تشك في وجودها اصلاً .. كانت ذاكرتها تحمل وعوده بأنها الشريكة والحبيبة التي لا يمكنه الحياة بدونها نسيت كل مراوغاته وتذكرت وعوده نسيت اهماله ولامبالاته وتذكرت واجبها وضرورة صبرها من اجله اهملت عمرها الذي ينقضي امام ناظريها وهي تفكر به وله فقط .

استفاقت من سفر الذهول عبر زمن الذكريات المريرة ، تذكرت انه كان هناك وبعيدا عنها يحادثها عبر الهاتف ارهفت السمع علها تسمع  غير ما سمعت قال  كلمته الأخيرة وداعا   ؟؟تنهدت بصوت كهزيم  رعد ثائر لكنه تناسى ذلك الأسى الذي عصف بسكون الصبر وقال لها مداعبا لابد من الصبر!!!! يالها من كلمة لايدرك مبناها ولا معناها انه ينصحها بالصبر ولا بأس عنده أن يكون صبراً مراً !!!! أقفلت الخط  توسدت ذكرياتها افترشت احلامها الثكلى غسلتها بدموعها الملتهبة علها تستريح ثم قررت حمل أسفار حبه والرحيل بها في رحلة جديدة لن تكون الا رحيلاً الى الشوق ......ش



مقالات أخرى للكاتب

  • أرصفة الضياع
  • فتاة المحوى
  • الأحزاب في مرحلة التحول الديمقراطي

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,037,432