حصاد ليل عربي طويل
2014-01-04 | منذ 4 سنة
أمين غانم
أمين غانم

إحصائيات القتلى والجرحى  للعام 2013 م لاكثر من  بلد عربي تمر كأي موازنة إقتصادية سنوية،  مجرد  ارقام متنافسة على صدارة القائمة .

مائات الآلاف من ضحايا العنف والصراع المتواتر على السلطة،  ارقام  مهولة لاتنم عن اي  سيرة ثورية او تلخص الثمن  الباهظ لإزاحة نظام إستبدادي   .                   

قتلى وجرحى بهذا الكم المفزع لن يتم إستيعابهم كمعطيات  مرحلة سياسية او فكرية،  او إخضاعهم  للمقارنة بضحايا وشهداء الحضارة  الاوروبية حتى  بزوغ عصر التنوير  ، كفرضيات لابد منها للإنتصار  على الجهل والظلم   ، وفق منطق تبريري عاجز عن التصرف والفهم .

جرائم بشعة يتم توثيقها وتقديمها بمشاهد سينمائية مصورة وعناوين شتى ماتنفك في تهيئة ذهنية المتلقي وإيغار  صدره بملئه بثقافة الحقد والكراهية تجاه الضحية  .

كل جماعة مذهبية او قبلية او عرقية بات لها لون محبب لممارسة القتل والتنظير للقتلة،  ولها  ايضا شراهة وشبق عدواني للتمعن بوجه الضحيه وزجره علنا بعبارات التنكيل والإهانة .

إحصائيات تتدفق بعناوين فصلية ونصف سنوية دون ان تهتز لها نخبة او جمعية انسانية عربية،  كي تشرع في إعادة القراءة لكل الوقائع وفق تفكيك عربي مغاير غير  منفعل ،خليق بان يكن إعلانا تاريخيا شهيرا (ولو نظريا )   ، يتجرأ في البت بكل  الافكار والطروحات الراهنة، مثل هذه القراءة الجديدة رغم إنعدام مؤشرات ولادتها،  كانت على الاقل بمثابة المشروع النظري المتواضع الجدير بكسب الوقت  لتنشيط فكرته عربيا دون الخوض في غمار القطرية وحساسياتها الضيقة .

الدم العربي ينزف في معارك  مطولة لانهاية لها،في مشاهد رعب تقشعر لها الابدان تفوق كل  ماانتجته السينماء من الافلام المثيرة للرهبة والخوف لاسيما افلام هيتشكوك وغيره من عباقرة الرعب والفزع  .

العراق،  سوريا،  الصومال،  مصر،  ليبيا،    اليمن،وغيرها  من  بؤر التوتر والإقتتال، كل يوم تأتي منها لبنان الفظاعة الدامية، ومعها يتراكم حصاد القتل مع الزمن بمتواليات مفتوحة العدد والعتاد،  في سياق معارك تندلع وتتدفق بيسر بلا هدف تاريخي وبلا عقل إخلاقي .

ليل عربي طويل هو المرادف السياسي لإختلال الوعي الجمعي بالسلطة وبمسلماتها الديمقراطية،  ظلمة حالكة تجلل المشهد وتبرر كل هذه الوحشية،  وفق إستيعاب وقبول ذهني مريض لتمرير كل جرائم القتل .

اي فلسفة او سياسية او حتى نص سماوي قادر على العبور على جثث الضحايا كي ينشر السلام والمحبة، ويشرع في إقامة العدل،  ويصون دم الإنسان وكرامته،   

فالثورة ليست مشروعا ارعنا لإزهاق الارواح،  وإطلاق حيثيات الضغائن والكراهية من معاقلها،  في تواطئ عصبوي مايفتأ في تلويث صراع سياسي على سلطة متعفة اصلا،   ولم تكن في يوم من الايام حقلا تجريبيا لإثبات وجهة نظر كيدية لاترق الى مستوى الفعل التاريخي المتناغم فكريا وأخلاقيا بمطالب وإرادة الشعوب .

نحن نبحث عن ثقافة وخطاب جديدين،في سياق بلورة القناعات الاولى لرفض ثقافتين بارزتين هما خطاب الثورة وآخر مايفتأ في البرهنة على ضحالة وفشل الاول، فالخطاب الثالث حتما سيخرج عن سياق الصراع الدائر لينحو بعيدا صوب التبرأ من  كل ذلك والتخلي علنا عن الإحتماء المتذاكي بظلال القوى المتصارعة، والشروع في تاسيس تيارات وجماعات للبدء في إطلاق معركة ثقافية وفكرية لتجريد قوى الإقتتال من العنصر الابداعي والاعلامي شيئا فشيئا، لإنه رأس الآلفة ومؤلفها،  ليبق القتلة وتجار الموت في العراء دون غطاء ثقافي او نخبوي،  وهذا العزل الثقافي بمثابة الإنتماء الوحيد للوطن، والتكتل الجديد الكفيل بإيقاف التهافت والإرتزاق من دم الضحايا .

 



مقالات أخرى للكاتب

  • في ضرورة المحاولة للانتماء للإنسان مجددا
  • تلك الفتاة الحسناء
  • سرية التمساح

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    21,271,540