لماذا يكره الإخوان المسلمون الجيش المصري؟
2013-10-04 | منذ 5 سنة
عمرو صابح
عمرو صابح

ربما تبدو دعوة جماعة الإخوان المسلمون للتظاهر والحشد لإسقاط الجيش المصري فى الذكرى الأربعين لانتصار أكتوبر ،غريبة أو غير مقبولة أو رد فعل ،على دور الجيش فى ثورة 30 يونيو 2013 - كما بدت من قبل احتفالات الجماعة الصاخبة بالذكرى السادسة والأربعين لهزيمة الجيش المصري فى حرب 5 يونيو 1967 ، والتى جاءت فى الشهر الأخير من حكم الجماعة لمصر- لمن لا يعلم جيداً تاريخ الجماعة، ولكن الوقائع التاريخية تثبت أن عداء تلك الجماعة للجيش المصري قديم ومتأصل فى عقول قادتها وأعضاءها منذ ثورة 23 يوليو 1952 ، حاولت الجماعة فى البداية السيطرة على تنظيم الضباط الأحرار، ولكن  "جمال عبد الناصر" رفض وحافظ على استقلال التنظيم ،ثم تقاعس قادة الجماعة عن تلبية دعوة "عبد الناصر" و المشاركة في الثورة ، وبعدها فشلوا فى محاولتهم للسيطرة والوصاية على قرارات قائدها "جمال عبد الناصر"، فالتفوا حول اللواء "محمد نجيب" ،وعندما استطاع "عبد الناصر" أن يهزمهم عادوا لسلاحهم التقليدى فى مواجهة خصومهم ،وحاولوا اغتياله فى المنشية ، جاء فشل محاولة اغتيال "عبد الناصر" ، ليمثل حدثاً مفصلياً فى تاريخ الجماعة ، فانهالت قبضة النظام الأمنية على قادتها وكوادرها ، وسكن الرعب نفوس أفرادها تجاه الجيش ، وتحولت هزيمة الجماعة فى صراعها مع الضباط الأحرار لعاهة نفسية لا شفاء منها داخل عقل وقلب كل إخوانى .

ترتب على تلك الهزيمة خروج الإخوان من كل مؤسسات الدولة ، وعلى رأسها الجيش ، فالعناصر المنتمية للإخوان يتم تصنيفها على أنها خطرة أمنياً ، وتستبعد من أداء الخدمة العسكرية وبالطبع من الالتحاق بالكليات العسكرية ،لأن ولاء الإخوانى الأول والوحيد هو للجماعة ، لذا نشأت أجيال متعددة من الجماعة كارهة للجيش، معادية للنظام الذى أقامته ثورة 23 يوليو 1952 والذى سحق طموحات الجماعة لحكم مصر.

وعندما شنت دول العدوان الثلاثي "بريطانيا وفرنسا وإسرائيل" الحرب على مصر سنة 1956، أصابت الفرحة العارمة قادة الجماعة وكوادرها بالسعار، وصرحوا علناً أنه "لا عدوان إلا على الظالمين"، وصلوا من أجل زوال نظام حكم "جمال عبد الناصر" ،وعندما هُزم العدوان، وفشل أصيبوا بالحزن وخيبة الأمل.

وفى ظل مشروع التحديث والنهوض الناصري فى الخمسينيات والستينيات توارت الجماعة وفقدت شعبيتها حتى كادت تتلاشى .

وبعد حرب 5 يونيو 1967 لم يستطع إخوانى أن يخفى سعادته وشماتته لهزيمة الجيش المصري فى المعركة ، فالجماعة لا تفرق بين جيش مصر والنظام الحاكم الذى تعاديه، طالما الجيش ليس خادماً لمصالحها ، وكذلك لا تعترف الجماعة بحرب الاستنزاف المجيدة وتراها معركة وهمية صنعها "عبد الناصر" للمداراة على نكسة 1967 .

وفى حرب 6 أكتوبر 1973 لم يشارك إخوانى واحد فى المعركة ،لذا لا يمكن للإخوان أن يستوعب معنى الوطنية والجندية والفداء والدفاع عن العلم والاستشهاد من أجل تراب الوطن.

ظلت تلك نظرة الجماعة للجيش المصري حتى تنحى مبارك عن السلطة فى 11 فبراير 2011 ، نظرة مشوبة بالرهبة والضغينة ،نظرة كارهة للجيش المنظم الهرمي الذى يفوق الجماعة تنظيمياً، الجيش الذى يتوزع أفراده على كل بيت وأسرة مصرية بما يفوق انتشار الجماعة وشعبيتها، الجيش المسلح والمدرب جيداً الذى لا تستطيع ميليشيات الجماعة المسلحة مجابهته ، الجيش المغلق على نفاذ الجماعة لصفوفه.

جاءت ثورة 25 يناير لتتيح للجماعة فرصة تصفية حساباتها مع الجيش المصري ، فخرج الهتاف المقيت "يسقط حكم العسكر"، رغم أنه على أى مقياس لا يمكن وصف حكم مصر خلال عهود الرؤساء "عبد الناصر"،و"السادات"،و"مبارك"، بالحكم العسكرى ، فلم تشهد مصر فى أى عهد منهم حكماً عسكرياً على نمط النظم العسكرية فى أمريكا اللاتينية .

ثم خرجت مقولة أخرى تُرجع مشاكل مصر إلى الستين عاماً السابقة على 25 يناير 2011 ، أى إلى ثورة 23 يوليو 1952 ، فى تزييف واضح للتاريخ المصري وتجاهل لكون مصر دولة محتلة محكومة بأسرة أجنبية عميلة قبل الثورة ، متخلفة اقتصادياً واجتماعياً، وان الستين عاماً الأخيرة مهما كانت خطاياهم أفضل بما لا يُقارن مما سبقهم.

كانت جماعة الإخوان المسلمين وراء تلك المقولات وغيرها من أجل إضعاف الجيش المصري وتشويه صورته فى أوساط الشباب ، وساندها فى ذلك مجموعة من مدعي الليبرالية الذين تم تدريبهم أمريكياً من أجل إسقاط الدولة المصرية كلها ، وليس نظام حسنى مبارك فقط.

لأسباب غير معلومة حتى الآن سمح المشير "حسين طنطاوى"- رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى تولى السلطة بعد تنحى مبارك وقام بمهام رئيس الجمهورية من 11 فبراير 2011 حتى 30 يونيو 2012 - للتيارات الدينية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين بالعمل السياسي ، فسيطرت الجماعة على مجلسي الشعب والشورى ، ونجح مرشحها الاحتياطي "محمد مرسي" فى انتخابات الرئاسة ، ليصبح أول رئيس مصري منتخب بعد ثورة 25 يناير .

كانت تلك النتائج تفوق أقصى أحلام الجماعة جموحاً، لم يصدق "محمد مرسي" نفسه وهو يخاطب المصريين كرئيس من ميدان التحرير ، ولم ينسى ثارات الجماعة مع الجيش ، فهتف قائلاً "الستينيات وما أدراك ما الستينيات"، وإثر عملية رفح الإرهابية  ضد الجنود المصريين - تحوم شبهات عديدة حول تكليف جماعة الإخوان المسلمين لفرعها فى فلسطين "حماس" للقيام بها - أطاح "محمد مرسي" بوزير الدفاع المشير "طنطاوى"،ورئيس الأركان "سامى عنان" بتهمة الإهمال ، ووصلت الجماعة لذروة نشوتها بتحقيق النصر أخيراً على الجيش المصري ،وتصاعدت دعاياتها لمحمد مرسي الذى أنهى الحكم العسكرى لمصر بعد 60 سنة!!!

رغم ذلك ولطبيعة النفسيات التآمرية لقادة الجماعة ، بدأ الإعلام التابع للجماعة شن حرب جديدة على الجيش ، وقائده العام الجديد الفريق أول "عبد الفتاح السيسي" بطرق غير مباشرة مثل التهكم على خطاباته ،أو وصف الجيش بأنه يحتاج لقيادة ، أو بإطلاق شائعات عن قرب تغيير "السيسي" بقائد أخر، ولكن رد قادة الجيش كان حاسماً بأن هناك خطاً أحمر عواقب تجاوزه ستكون وبالاً على من يفكر فى ذلك.

وتحت قيادة مرسي شهدت مصر عاماً كاملاً من التخبط والفشل والتفريط على كل المستويات ، وتدخلت قيادة الجيش أكثر من مرة لتصحيح كوارث مرسي والحفاظ على التراب الوطنى المصري وحماية أمن مصر القومى فى السودان وسيناء وليبيا .

وصولاً للأيام السابقة على ثورة 30 يونيو ، والتى شهدت محاولات مكثفة من الفريق أول "عبد الفتاح السيسي" لإنقاذ مصر من صراع سياسي مدمر ، ولكن تلك المحاولات فشلت بسبب تصلب محمد مرسي وقيادات الجماعة ورفضهم الاستجابة لمطالب الشعب ،حتى حان يوم الحساب للجماعة فى 30 يونيو 2013 ، فلم تمض 24 ساعة ، إلا وأعلن الفريق أول "عبد الفتاح السيسي" انحياز الجيش المصري للشعب المصري ، ومنح مرسي مهلة أخيرة 48 ساعة لتنفيذ مطالب الجماهير المحتشدة بالملايين فى الشوارع والميادين ، وعندما انتهت المهلة ، عزل الجيش المصري "محمد مرسي" من منصبه تنفيذاً لأمر الشعب.

مرة أخرى ينتصر الجيش للشعب على حساب الجماعة ، ولكن تلك المرة كانت أكثر قسوة وإيلاماً للجماعة ، التى كانت فى قمة السلطة ،وسقطت لهاوية بلا قرار.

كان سعار الجماعة جنونياً ضد الجيش المصري بعد عزل محمد مرسي ، فلم تترك نقيصة إلا وألصقتها بالجيش ، وبدأ جيش الإرهابيين -الذى رعاه وسلحه "محمد مرسي" وفقاً لأوامر قادة الجماعة،والذى كان يتم إعداده ليحل محل القوات المسلحة المصرية – حربه ضد الجيش المصري فى سيناء،والتى مازالت مستمرة حتى الآن.

ومازالت الجماعة تنشر الشائعات والافتراءات والدعوات للتدخل الأجنبي ضد الجيش المصري الذى تصفه بالانقلابي والدموى والفاشي.

ولأن فكر تلك الجماعة الملعونة يجعل الانتماء لها يفوق الانتماء لمصر،لذا فقادتها وكوادرها ليس لديهم أدنى انتماء للدولة المصرية ، وللجيش المصري ، لذا فخراب مصر وانهيارها ،لا يعنى شيئاً للجماعة التى يجب أن تبقى وتحكم، ولو على جثث ملايين المصريين.

فهذا التنظيم المغلق للجماعة يظن قادته أنهم ملاك الحقيقة المطلقة ، وأصحاب التوكيل الوحيد للرضا لألهى ، لذا فكل من يحارب سعيهم نحو السلطة يصبح مرتد وخائن وانقلابي ، لذلك لا جدوى من التحاور مع هؤلاء ومحاولة إقناعهم بالواقع ،أو حثهم على التوقف عن تخريب بلدهم ، فهم بحاجة لعلاج نفسي أولا ربما ينجح فى شفائهم من هلاوسهم.

قامت الدولة المصرية الحديثة منذ عهد محمد على على الجيش فهو العمود الفقري للدولة ،وقد تأكد ذلك بقيام ثورة 23 يوليو 1952 ، محاولة تفكيك الجيش المصري هدفها هو هدم الدولة المصرية ،وهو أمر تسعى له الجماعة بشدة لأنه يؤدى لسقوط أقوى عقبة فى سبيل سعيها للسلطة ،كما أنه يجعل الجماعة تحوز الرضا الغربي والصهيونى بالقضاء على أقوى جيش نظامى عربي  .

ينسى البعض ان لمصر تجربة سابقة فى ذلك ، فبعد هزيمة الثورة العرابية حرص الاحتلال البريطانى على الخلاص من بقايا جيش عرابي فى حملة "هكس" بالسودان ،حتى لا تقوم قائمة للجيش المصري مرة أخرى ، وقد دفعت مصر ثمن ذلك لمدة طويلة حتى تعافى جيشها من جديد.

لم يشارك الإخوان المسلمون الشعب المصري فى حروبه، لذا فمنطقى جداً ألا يشاركوه احتفالاته بانتصاراته ، فللجماعة تاريخها الخاص، والذى لا يعترف به المصريون أيضاً ،ولن يعترفوا به أبداً ، لأنه تاريخ لجماعة لا تخدم سوى مصالحها ، جماعة لا تنتمى لمصر من الأساس .

المجد والخلود لشهداء مصر فى كل حروبها ضد الأعداء ، وكل عام ومصر منتصرة وبخير ، ولا عزاء للإخوان .



مقالات أخرى للكاتب

  • جمال عبد الناصر والأورويليون الجدد
  • قضية مصطفى أمين بين محمد حسنين هيكل, وصلاح نصر
  • خطة الخلاص من جمال عبد الناصر - خفايا الدور السعودى فى حرب 5 يونيو 1967

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,502,985