التحدي الأكبر للإسلاميين في الحكم
2013-08-25 | منذ 4 سنة
عوني فرسخ
عوني فرسخ

في ندوة 'القومية العربية والاسلام' التي عقدها 'مركز دراسات الوحدة العربية سنة 1980 تساءل المفكر اسلامي التوجه عادل حسين: كيف استطاع عبدالناصر ان يتصادم مع الاخوان الملسمين ويحتفظ برغم هذا بشعبية واسعة؟ ثم اجاب تساؤله بقوله : إن الناصرية لم تصفً جماعة الاخوان المسلين بمجرد استخدام اجهزة الامن، بل إنها اساسا من خلال سحب البساط الفكري والسياسي من تحت اقدامها. فحين قادت الناصرية جهادا مقدسا ضد السيطرة الاجنبية والصهيونية، وناضلت لتوحيد العرب والعدالة الاجتماعية، ادركت الجماهير الواسعة ان عبدالناصر يعبر عن مضمون اسلامها الثوري ومأثوراته، فلم تتجاوب مع عداء الاخوان لعبدالناصر، ولم تنفضً عنه بسبب هذا العداء'.

وهذا هو التحدي الاكبر لقادة وقواعد الاحزاب الاسلامية وقد غدت مشاركة اساسية في حكم المغرب وتونس ومصر والسودان، ومرشحة لدور اكبر في صناعة قرارات اقطار عربية اخرى. ذلك لانه برغم ما حفلت به العقود الاربعة الماضية من متغيرات عربية واقليمية ودولية، ومستجدات الربيع العربي، لما تزل قضايا مقاومة السيطرة الاجنبية والصهيونية والطموح لتحقيق الوحدة والعدالة الاجتماعية أبرز متطلبات التصدي لاستراتيجية المضي بالوطن العربي من التجزئة القطرية الى التفتيت الطائفي والعرقي والجهوي المعتمدة امريكيا لاقامة الشرق الاوسط الجديد بقيادة صهيونية. كما يتضح من محاولة احتواء الربيع العربي الجارية فصولها، والسعي لتطويع إرادة قادة جماعات الاسلام السياسي، وأخذ ضمانات منهم بعدم المساس بالاتفاقيات السابق عقدهـــا مع اسرائيل.

وحين يقرأ التاريخ العربي الحديث منذ غزو نابليون لمصر سنة 1799 يتضح ان من خلدوا وطنيا وقوميا انما كانوا رموز وقادة التصدي للغزاة المستعمرين. كما يتضح انه كان للاسلام والمسيحية العربية دورهما في مقاومة المستعمرين والارساليات التبشيرية التي جاءت في ركابهم. ولقد كان عبدالناصر اوضح من عبر عن هذه الحقيقة. ففي حواره مع خــــروتشوف سنة 1964 قال : 'أما عن الدين فانتم القــــيتم اوزار رجال الدين على الدين، فكان العيبب عيب رجال الدين ولم يكن العيب من الدين.

أما عن الجامع فقد كان مركز الثورة، وكان هو الحصن الذي نلجأ اليه دائما لصد المستعمر. وكان رجال الدين مسلمين ومسيحيين يجتمعون في الكنيسة وفي المسجد دون حساسيات. وانا نفسي عندما حدث العدوان الثلاثي سنة 1956 خطبت من الازهر قائلا : سنقاتل. فالدين عندنا حصن حصين نلجأ إليه'.

ذلك لانه منذ بداية الهجمة الاستعمارية كان واضحا ان تراث الامة، خاصة مقدساتها الاسلامية والمسيحية، مستهدفة من المستعمرين والصهاينة المسكونين بثقافة عنصرية، فنابليون استهل غزو مصر باقتحام فرسانه المسجد الازهر، وكذلك فعل عميله الجنرال يعقوب باقتحامه باحة البطريريكية القبطية ممتطيا جواده. فكان ان التقى على حرب الغزاة المسلمون والاقباط الذين كان منهم معتقلون لدى الفرنسيين في القلعة، ولقد لفظت مصر الجنرال الخائن لوطنه وكنيسته فارتحل مع الفرنسيين غداة فشل غزوتهم. وفي فلسطين المحتلة من النهر الى البحر، توالى منذ النكبة تدنيس المساجد والكنائس، واغتصاب املاك الوقف، فضلا عن الدعوة لاقامة الهيكل على انقاض المسجد الاقصى وقبة الصخرة، واغتصاب حائط البراق (المبكى) وساحته. وعليه فقادة وقواعد الحركات الاسلامية العربية، الصاعدة منها للحكم والتي لما تزل في صفوف المعارضة، مسؤولون مسؤولية مضاعفة، وطنية ودينية في التصدي لما يواجه الامة العربية من تحديات التحالف الامبريالي - الصهيوني.

وإدراكا من قادة الفكر والعمل القومي العربي انعدام التناقض العدائي بين العروبة والاسلام، وان المخاطر تتهدد جميع مكونات الامة العربية، دعوا منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي لحوارات معمقة مع عدد من رموز الحركات الاسلامية واعلام الفكر السياسي الاسلامي، بحيث انتهى الجميع الى تشكيل 'المؤتمر القومي - الاسلامي'، الذي تبنى الاهداف القومية الستة التي كان قد صاغها 'المؤتمر القومي العربي ' والمتمثلة بالعمل للتحرر الوطني، والوحدة العربية، والديمقراطية، والتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والتجدد الحضاري، وكان بين ابرز المشاركين في المؤتمر القومي - الاسلامي ' المعلنين التزامهم بالاهداف القومية الستة كل من الشيخ راشد الغنوشي، ود. يوسف القرضاوي و د. عصام العريان، عضو مركز ارشاد الاخوان المسلمين، ود. عبداللطيف عربيات، مراقب عام الاخوان المسلمين السابق في الاردن. ما يعني في التحليل الاخير التزام الحركات الاسلامية الصاعدة الى سدة الحكم، والمرشحة للصعود التزاما مبدئيا بالاهداف القومية الستة، ومسؤولة وطنيا ودينيا عن الوفاء بذلك.

وإن قيل وماذا عن تطبيق الشريعة المجمعة على المناداة به الاحزاب والحركات الاسلامية، فقول يستدعي التذكير بداية بأن دستور 1923 بمصر نص في المادة (149) منه على ان مصر دينها الاسلام ولغتها العربية. وليس من دستور عربي قائم إلا وتضمن النص ذاته، أو ما هو في معناه. فضلا عن النص على أن الشريعة الاسلامية المصدر الاساسي، أو مصدرا اساسيا، للتشريع. وليس بين القوانين السارية في البلاد العربية ما يعد مخالفا لاحكام الشريعة، وإن كان ذلك لا ينفي عدم تطابق بعضها مع تفسيرات الدعاة في الزمن الراهن. وعندما يؤخذ بالحسبان ما يقرره الامام حسن البنا، وهو محق تماما، بأن النص من الكتاب والسنة مقدس، ولكن التفسير انساني قابل للاختلاف. ما يعني في التحليل الأخير أن طرح تطبيق الشريعة في ضوء ما هو قائم عربيا ينطوي على شبهة التوظيف السياسي.

والجدير بالتذكير به انه في مرحلة غزو الفرنجة، المعروف بالحروب الصليبية، أدان الفقيه ابن تيمية وعدد من الفقهاء، شيوع التواكل والتخاذل وما عرف يومها بظاهرة 'التدين الهروبي' بالانشغال بظواهر الدين عن واجب الجهاد ضد الغزاة. ولقد شغل يومها ابرز العلماء بالدعوة لليقظة والجهاد ووضعوا الرســائل في قدسية بيت المقدس وفضيلة الجهاد. والذي يبدو للمراقب المدقق ان ظاهرة 'التدين الهروبي' غدت في زمن الربيع العربي اشد خطورة مما كانت عليه زمن 'الحروب الصليبية'.

إذ لم تعد قاصرة على الانشغال بالحديث عما هو حلال وما هو حرام، وانما ايضا بالغلو في التعصب المذهبي ما يهدد وحدة الامة في مواجهة التحالف الاستراتيجي الامبريالي - الصهيوني.

والسؤال الاخير : هل يرجح لدى قيادات وقواعد الحركات الاسلامية التزامهم بالاهداف القومية الستة فينجحون في افشال محاولة تطويع ارادتهم، وهذا ما نتمناه. أم أن مغريات السلطة قد تسقطهـــــم في الشباك الصهيو- امريكية، بحيث يلحقون بمن أسقطهم الربيع العربي؟

' كاتب من فلسطين



مقالات أخرى للكاتب

  • «بلفور».. التحدي الاستعماري والاستجابة العربية
  • أبعاد وتداعيات العدوان على الكنائس بمصر
  • فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    20,516,423