النكبة في ذكراها الـ65
2013-05-16 | منذ 5 سنة
د. فايز رشيد
د. فايز رشيد

أمس صادفت ذكرى النكبة الـ65، هذه التي نحييها في 15 حزيران/يونيو من كل عام، يوم استولت الحركة الصهيونية على أغلب مناطق فلسطين، وبمساعدة بريطانيا أقامت دولتهاعلى أرضنا. ما بين الامس واليوم سنوات طويلة، لم تزدد فيها اسرائيل الا عدوانية وصلفا، عنجهية وعربدة، عنصرية وحقدا، غطرسة وتعنتا في رفض حقوق شعبنا الوطنية. لقد قامت اسرائيل بسن قوانين جديدة، تمنع أهلنا في منطقة عام 1948 من احياء ذكرى النكبة تحت طائلة المسؤولية والسجن سنوات طويلة. لكن شعبنا رغم أنف الصهاينة يحيي هذه الذكرى الأليمة في كل مواقعه، بما في ذلك في فلسطين المحتلة عام 48.

ما الذي تطور في اسرائيل بمضي 65 عاما على انشائها؟ سؤال برسم الاجابة عليه من كل فلسطيني وعربي . نتحدى أن يكون التطور بغير المظاهر تلك التي عددناها في السطور السابقة.

بعد مضي كل هذه السنوات يمكن القول وبراحة ضمير، أن المتغيرات الاسرائيلية خلال هذه العقود تتمظهر في جملة من الحقائق الإسرائيلية، على صعيد السياستين الداخلية والخارجية المستندة إلى خلفية أيديولوجية توراتية. هذه الحقائق لو أدركها الساسة الفلسطينيون والعرب لما طرحوا مبادرات سلام مع إسرائيل، ولصاغوا استراتيجية وتكتيكا سياسيين جديدين متوائمين مع هذه الحقائق من حيث مجابهتها وليس التعامل معها كأمر واقع، ولعل من أبرزالمتغيرات يتلخص في ما يلي:

ان المشروع الصهيوني للمنطقة العربية وبفعل مستجدات واكبت تطور الصراع فيها، وبحكم حقيقة تتمثل في فشل إسرائيل في إقناع غالبية يهود العالم في الهجرة إليها، فإن مشروع إسرائيل في بناء دولتها من الفرات إلى النيل وإن غاب في أذهان الساسة (حاليا) باستبداله من الاحتلال الجغرافي إلى السيطرة الاقتصادية وبالتالي السياسية، لكنه يتعمق في أذهان المتطرفين الإسرائيليين المرشحين لازدياد قاعدة وهرم تأثيرهم في الحياة السياسية الإسرائيلية.

ان التحولات الجارية في داخل إسرائيل مذهلة في استطلاعاتها وكلها تشي بارتفاع نسبة الأصوليين بين اليهود إلى مستويات قياسية عالية، فقد قالت أبحاث أجرتها جامعة حيفا ومعاهد متخصصة ونشرت نتائجها التي تقول في غالبيتها انه وفي العام 2030 فإن نسبة المتدينين اليهود سترتفع الى 62 – 65% من الشارع الاسرائيلي. هذا ما رأينا بعضا منه في الانتخابات التشريعية الأخيرة وتلك التي سبقتها قبل بضعة أعوام. هذا سيؤثر على الحياة المدنية الإسرائيلية، ليس من حيث التداعيات في الحياة الاجتماعية، ولكن بالضرورة أيضاً على الانعكاسات على السياستين الداخلية والخارجية، وتحديداً الصراع الفلسطيني العربي- الصهيوني. إذا ما بقيت إسرائيل حتى ذلك الزمن فسنواجه إسرائيل جديدة. هذا لا يعني على الإطلاق الاستهانة بالسياسات الاسرائيلية السابقة والحالية، ولكن المقصود القول اننا سنشهد تشدداً إسرائيلياً أضعاف أضعاف التشدد السابق والحالي.

ان المتتبع لمسيرة الداخل الإسرائيلي يلحظ وبلا أدنى شك أن إسرائيل تتفنن تماماً في المزاوجة بين القوننة والسياسة بما معناه، أدلجة السياسة الخارجية بقوانين في ما يتعلق بالصراع مع أعدائها، وأدلجة السياسة الداخلية بقوانين تعمل على تحصين إسرائيل من تأثيرات العرب بداخلها من جهة، ومن جهة أخرى تعبّد الأرضية لبقاء هيمنة يهودية في محاولة استباقية للتغلب على إمكانية قيام أغلبية عربية في إسرائيل (مثلما تشير بعض الاستطلاعات التي تتنبأ حصول ذلك في العام 2025). بالتالي هي تفرض مجموعة من القوانين العنصرية (بقراءاتها الثلاث في الكنيست)، وكان العامان 2012 و2013 مميزين في فرض القوانين (منع العرب من الاحتفال بذكرى النكبة، إمكانية سحب الجنسية منهم…الخ) إضافة إلى خلق واقع اقتصادي- اجتماعي يصبح استمرار العربي في العيش في بلده مستحيلاً، وبالتالي فليس أمامه سوى الهجرة.

الغريب أن إسرائيل ورغم قوننتها للعنصرية (على شاكلة النظام العنصري الأبيض السابق في جنوب أفريقيا) تبقى في عرف الدول الغربية والكثيرين الآخرين (دولة ديمقراطية) ففي الوقت الذي أدان فيه العالم عنصرية جنوب أفريقيا وروديسيا يقف صامتاً أمام العنصرية الإسرائيلية!.

لقد سبق لدول عديدة أن اعترفت بـــ(يهودية دولة إسرائيل) ووفقاً لما ورد على لسان نتنياهو والقادة الاسرائيليين الآخرين اصبح هذا شرطا على الفلسطينيين والعرب مقابل التطبيع الاسرائيلي للعلاقات معهم ولانجاز حتى التسوية المذلة (لهم) معهم. جاء وعد بلفور في عام 1917 ليؤكد هذا الهدف (يهودية الدولة)، وكذلك نص قرار التقسيم للأمم المتحدة في عام 1948 على إنشاء هذه الدولة. إسرائيل في بداية تكوينها لم تركز على تحقيق هذا الشعار لاعتبارات تكتيكية ليس إلاّ، عنوانها ترسيخ دعائم دولتها أولاً ومن ثم وحين تتحسن الظروف تطرح الشعار للاعتراف به دولياً، وذلك للتغطية على أية خطوات عنصرية مستقبلية تقوم بها تجاه حرمان العرب فيها (في منطقة 48) من كل حقوقهم وصولاً إلى اجراء الترانسفير بحقهم وإيجاد الحلول الملائمة والمناسبة لأخراجهم من وطنهم، اما عن طريق تبادل الأراضي أو بطرق أخرى.

ثبت بالملموس أن إسرائيل ترفض في صميم الأمر حل الدولتين، فهي ترى في وجود الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة (على شاكلة الدول كافة) نقيضاً لوجودها. من جانب آخر فإن تحقيق شعار يهودية الدولة يقطع الطريق على كافة الحلول المطروحة الأخرى الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة، الدولة ثنائية القومية، وحتى حل الدولة لكل مواطنيها.

كثيرة هي المتغيرات في اسرائيل مع مضي كل هذه السنوات على انشائها، ومن أبرزها أيضا زيادة تأثيرات الجناح الديني على الحياة في اسرائيل ان بالمعاني السياسية والاقتصادية أو الاجتماعية، وهذا ما سيدفع ايضا الدولة نحو سياسات أكثر تطرفا وعدوانية على الفلسطينيين والعرب خلال السنوات القريبة القادمة. ومنها ايضا المزيد من الاستناد في السياسة الى الأسس التوراتية والتلمودية التي جعلت منها الحركة الصهيونية أيديولوجيا معتنقة متطورة باستمرار. تدعيم أواصر التحالف الاستراتيجي والارتباط الوثيق مع الامبريالية وأشكال الاستعمار الجديد والعنصرية.

في الذكرى 65 للنكبة يمكن القول إن عودة الحقوق الوطنية الفلسطينية والأخرى العربية لن تتحقق ضمن الاعتراف الإسرائيلي بها، وإنما تصبح واقعاً عندما يجري فرضها على هذه الدولة الصهيونية المشبعة بالتعاليم التوراتية فرضاً! هذه أبرز المتغيرات التي تحتم على الفلسطينيين والعرب اتباع نهج استراتيجي وسياسي تكتيكي جديدين في التعامل مع دولة الكيان.

 

‘ كاتب فلسطيني



مقالات أخرى للكاتب

  • التباكي على الغوطة والعنجهية الغربية
  • التضليل في الصحافة الصهيونية
  • بالمفاوضات لن نحرر فلسطين ولكن بالمقاومة المسلحة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,126,030