فرقتنا الأقدار...وجمعتنا بغداد
2013-04-15 | منذ 5 سنة
شيرين سباهي
شيرين سباهي

كانَ بيني وبينها ......أمتار واليوم أصبح الفراق عوالم وأرواح ...

أعتادت عيني ان تراها كُل يوم..جمعتني بها الأيام كما فرقتني بها الأيام ...

هي جارةُ لي منذً ثلاث سنوات سيدة نمساوية من أشهر العوائل الأرستقراطية تلوح من عينيها هامات الشموخ

هادئة كالحب...عندما تستسلم الى الحقيقة ..

وثائرةُ كالبحر عندما ... تغضب ...لي معها سنوات ولها مع العمر السبعون سنة ويزيد ...
جمعنا السلام وفرقنا السلام بدأت علاقتي بها عندما طرقت بابي في أحد الايام الساعة الثالثة فجراً تحتاج الى من يساعدها

في الاتصال بالأسعاف لأنها تعاني من الذبحة الصدرية...

عملت اللازم وبقيت على اتصال شبه يومي بها ..وبين الحين والحين نخرج سوياً الى مقهى قديم في فيينا أثري كانت تقول لي هنا جلس والدي وهناك كبرتُ

وفي ذالك الركنُ .. تعرفتُ على زوجي وتستطرق الحديث عن عائلتها ومجدهم ...وكيف كانت تمضي حياتها المترفة والفاحشة الثراء ...بين الكتب والرسم وعشقها القديم ...

شاركتني الكثير من متاعب الحياة وشاركتها نسائم الليل وساعات كُنا نسرقها من الزمن مع قطعة سكروفنجان قهوة مر وساخن كقلبها ...

كانت عندما تتحدث أرى نفسي أمام ملكة من الزمن القديم ...حتى في مشيتها تزهو كالطاوس ...

تركت لي ذكرى في كل شىء المكان والزمان والروح ...تأخذني اليها زرقة السماء كلون عينيها البارقتين ...وكلما أرتشفتُ قهوتي تذكرني بها رائحة الهبوب والصمت ...

اليوم يمر على رحيلها سنة كاملة ...كانت تقول لي شيري .. لاتتركيني وحيدة بين صمت القبور نعم هناك لي احبة ...وأنا على يقين أنهم سيفرحون بقدومي لكن أنتي مايربطني بكبرياء الحياة ..

كانت تبكي عندما تتذكر الموت وتُبكيني معها ...وتعود هي لتواسيني وتقول بعناد قاتل أنا ابكي لأني لم أشبع من عمري معكِ فأنتي أبنتي الروحية ...وتعانقني بلهف الهموم ..

ودعتني مرات عدة ولم تسنح لي اقداري ان أودعها ,,عندما كنتُ سفرة الى السويد وكانت تلك الليلة أخر يوم رأتها عيني ولم تشبع منها قبل سفري فجراً الى السويد جلسنا وتحدث كثيراً ..

ومن ضمن ماقالت لي ....عن وصيتها لي ورسالةُ أسلمها الى أبن اختها في واشنطن بعد وفاتها وبعض الورقيات وأول رسالة عشق وصلتها من حبيبها عندما كان في الحرب ..

وعدة أوراق سلمتها فيما بعد ليد محامي العائلة ....

حدثتني في ذاك اليوم ...كيف يكون الأنسان حراً بكرامته ..وقالت لي تحديداً فرقنا الله بالمحبة له فنحن من يقرر القرب منه وليس هو وقربنا من الله هو أول اثواب الكرامة ...

لي من الثراء الفاحش ولكن ماجدواه اذا كانت الروح تشتاق الى الرحيل..

وصمتت فجأة وقالت : شيري هل ستشتاقين لي .... وهي تبكي بدموع الأم

فقلت ُ لها : بوجوع كيف لا أشتاق لزرقة السماء ورائحة الجلنار والياسمين ...وقبلتُ يدها وبكت كالرضيع وهي تضمني وتقول لا تتأخري شيري

فالمنايا تكره الأنتظار ...وأنا اكره فراقك كما يكره النار الماء ...وقالت لي عندما تعودين ستجدين رسالة لكي مني ...

فقلتُ أنا اخاف هذة اللغة ... فلم تجبني وبعد ثواني قالت لي ..

انهضي لقد أقترب الزمن لتلحقي الرحلة ..وقفتُ ووقفت هي وضمتني بحسرة لها وبكفها الذي نامت فيه تجاعيد الزمن وتعثراته مسحت دموعي وقالت ... هذة العيون الغريبة الألوان لا أريدها أن تسبح في موج الدمع ...

وفتحت الباب لي وهي تقول ....لا تتأخري شيري ... أنا انتظرك قبلتها وقبلتُ يدها وتركت الزمن .. وسافرتُ وخلال سفرتي كنتُ اغلي كالمرجل وأتمنى أن اعود لأجدها ..

في ثاني يوم أتصلت بجارة لي وسألتها فقالت ...توفيت قبل ساعة والبوليس والمقربون منها هنا وأنه أنا كنت من التقى بها يجب أن اتصل بالبوليس وفعلا أتصلت قالوا لي ضروري ان أعود

وعدت في نفس اليوم .... وتوجهت الى بيتها مباشرةً ووجدتُ من يجرد ما بيتها لأنه كان ثمين جداً وقال لي لكي رسالة منها تستلميها من المحامي لقد توفيت بالذبحة ,,,

بعد أن تمت مراسيم الدفن والصلاة عليها على كنسية المقبرة ,,,, وودعها الجميع أقترب مني أخ لها وقال لي بهمس شيري ودعيها أنه اللقاء الأخير.... وأخذني من يدي

وأقتربت وأنا أكاد لا أتماسك في جسدي وقال لي حاولنا أن نغلق عينها فلم تغلق حاولي أنتي اعتقد أنتي من كانت تنتظر رؤيته ... وفعلا اغلقت عينها بعد أن مررتُ بيدي عليها ..

وأقترب القسُ مني وقال .... أنتي أبنتها فقلتُ نعم ... فرد هذة رسالة لكي منها سلمتني اياه منذ أيام انتي شيري ,,,

أستلمت الرسالة وقبلتها وأختلطت دموعي بعطرها ... وسحبني القس وأجلسني على الكرسي حتى أنتهاء الصلاة ...وتوجهنا الى القبر وتم دفنها ورحلت دون عودة ..عدتُ للبيت ونمتُ لساعات طوال وأستفقتُ

منهكة وفتحتُ الرسالة ... وكانت كالتالي :: حبيبتي شيري كنتُ أعلم أنني سأرحل هذة الأيام ورتبتُ بعض الأمور هناك لكي بعض الذكريات والهدايا الثمينة عند المحامي ...

أبنتي شيري ... لاتتركيني أذا رحل الناسُ عني سأنتظر قدومك بعطر عربي أصيل صلي لي لأحتمل فراقكي أبنتي الغالية أنا لن أغيب سأطرقك بابك كلما كنتي في شوق لي

شيري أنا أحبك كما أحبُ بغداد ..... لقد عشتُ فيها سنتين عندما كنتُ برتبتي العسكرية كطبيبة ...... بغدادُ مدينة الحب والأدب والرجال ... لاتنسيني أن توقدي الشموع لي ولها

وأنتهت الرسالة ....وأنتهت الأيام ... فهل ستبقى بغداد كما وصفتها .... أم سأعود لقبرها لأقول لها أين بغداد ... لكي الرحمة فكتوريا ولبغداد السلام



مقالات أخرى للكاتب

  • باختصار
  • أنتي ....‎
  • النساءٌ ملح الرجال‎

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    21,250,514